سيد عباس بن علي بن نور الدين الحسيني الموسوي المكي

20

نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس

من مقدم الدماغ عصبات لطيفة لينة كنسج العنكبوت وهي كالحجاب للملك فتلقت ما عند كل حاسة ووصل ذلك في تلك العصبات إلى مقدم الدماغ لتنظر فيها وتترآى في معانيها ونعرف مضارها ومنافعها فيفعل بقدر ما تبدى له من ذلك ، فقوام الجسد بهذه الخمس المذكورة وكل شئ كماله بخمسة أشياء والكواكب التي عليها مدار الأفلاك خمسة ، ولتكن وزراء الملك خمسة والمشاورة في كل مهم لكل واحد منهم على انفراده ، فهو أبعد للأمور ، واكتم للسر ، ولا يبدي لهم الملك ما في نفسه ولا يعلم أحد منهم عزيمة الامر عند من كانت ، ولا يظهر لهم افتقاره إليهم وإلى ما عندهم ، فيطغى ويمزج عند نفسه آراءهم كما يفعل الدماغ مما تأتى به الحواس ، ثم يستخير اللّه تعالى فيما ينفذه من آرائهم التي لا تخالف هواه . ولهذا قال هرمس لما قيل له لم كان رأي المستشار أفضل من رأي المستشير ؟ فقال : لان المستشار معرى من الهوى ، وهذا كلام صحيح ، وإذا صح له الرأي معه ، فلا يعجل في انفاذه ويتركه يختمر يوما وليلة إلا فيما يتخوف فوته فيستخير اللّه ويعجله ، وإذا جمعهم على أمر ليدبروه فلا يدخل رأيا فيه ويسمع ما يتراضون فيه ، فان عجلوا الجواب واتفقوا سريعا نقضه ، وإلا فيريهم الخلاف ليطول فكرهم واستنباطهم . فلا خير في الرأي الفطير ، وإذا ظهر له صحة الرأي في كلام أحدهم فيسكتهم ومع التجربة وطول الخبرة يتبين له ما يقول في صحة الرأي ، وإياه ان يرجح أحدا منهم على بقية أصحابه ويسوي بينهم بالعطايا والمجالس ، فلم يكن فساد الممالك على قديم الأيام والأزمان إلا بتفضيل بعض الامراء على بعض . وأنا أقول : إذا هرم الجسم هرم الرأي ، مع أن ذلك موقوف على المواليد فمولود يولد بطالع ماء فلا يكون في صناعته وعمله وعلمه إلا على طبائع الكوكب الذي في تدبير ملكه ، وان عرج به والده إلى غير تلك الصنائع صرفه سوء الطبع . وقد جرى مثل هذا أن بعض القوم اجتازوا على قرية فاضافوا حائكا فاتاه في تلك الليلة ابن فتأملوا في طالعه وعدوا الكواكب فكانت السنبلة وعطارد في